الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

60

تفسير روح البيان

تعالى تشريفا لهم وتشهيرا لحالهم هذا قول صاحب التيسير * والثاني ان المنافقين كانوا يظهرون هذا القول فيما بينهم لا عند المؤمنين فأخبر اللّه تعالى نبيه صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين بذلك هذا قول البغوي * والثالث قول أبى السعود في الإرشاد حيث قال هذا القول وان صدر عنهم بمحضر من المؤمنين الناصحين لهم جوابا عن نصيحتهم لكن لا يقتضى كونهم مجاهرين لا منافقين فإنه ضرب من الكفر أنيق وفن في النفاق عريق لأنه محتمل للشر كما ذكر في تفسيره وللخير بان يحمل على ادعاء الايمان كأيمان الناس وانكار ما اهتموا به من النفاق على معنى أنؤمن كما آمن السفهاء والمجانين الذين لا اعتداد بايمانهم لو آمنوا ولا نؤمن كايمان الناس حتى تأمرون بذلك قد خاطبوا به الناصحين استهزاء بهم مرائين لإرادة المعنى الأخير وهم يقولون على الأول فرد عليهم ذلك بقوله عز وجل أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ انهم هم السفهاء ولا يحيطون بما عليهم من داء السفه والمؤمنون بايمانهم وإخلاصهم هربوا من السفه وغبوا في العلم والحق وهم العلماء على الحقيقة والمستقيمون على الطريقة وهذا رد ومبالغة في تجهيلهم فان الجاهل بجهله الجازم على خلاف ما هو الواقع أعظم ضلالة وأتم جهالة من المتوقف المعترف بجهله فإنه ربما يعذر وتنفعه الآيات والنذر * واعلم أن قوله تعالى لا يَشْعُرُونَ في الآية الأولى نفى الاحساس عنهم وفي الثانية نفى الفطنة لان معرفة الصلاح والفساد يدرك بالفطنة وفي الآية الثالثة نفى العلم وفي نفيها على هذه الوجوه تنبيه لطيف ومعنى دقيق وذلك أنه بين في الأول ان في استعمالهم الخديعة نهاية الجهل الدال على عدم الحس وفي الثاني انهم لا يفطنون تنبيها على أن ذلك لازم لهم لان من لا حس له لا فطنة له وفي الثالث انهم لا يعلمون تنبيها على أن ذلك أيضا لازم لهم لان من لا فطنة له لا علم له فان العلم تابع للعقل - كما حكى - ان اللّه تعالى لما خلق آدم عليه السلام اتى اليه جبرائيل بثلاث تحف العلم والحياء والعقل فقال يا آدم اختر من هذه الثلاث ما تريد فاختار العقل فأشار جبريل إلى العلم والحياء بالرجوع إلى مقرهما فقالا انا كنا في عالم الأرواح مجتمعين فلا نرضى ان يفترق بعضنا عن بعض في في الأشباح أيضا فنتبع العقل حيث كان فقال جبريل عليه السلام استقرا فاستقر العقل في الدماغ والعلم في القلب والحياء في العين : قال المولى جلال الدين قدس سره جمله حيوانرا پى انسان بكش * جمله انسان را بكش از بهر هش هش چه باشد عقل كل اى هوشمند * عقل جز وى هش بود اما نژند لطف أو عاقل كند مر نيل را * قهر أو إبله كند قابيل را [ 2 ] فليسارع العاقل إلى تحصيل العلم والمعرفة حتى يصل إلى توحيد الفعل والصفة * قال الامام القشيري رحمه اللّه للعقل نجوم وهي للشيطان رجوم وللعلوم أقمار هي للقلوب أنوار واستبصار وللمعارف شموس ولها على اسرار العارفين طلوع والعلم اللدني هو الذي ينفتح في بيت القلب من غير سبب مألوف من الخارج وللقلب بابان باب إلى الخارج يأخذ العلم من الحواس وباب إلى الداخل يأخذ العلم بالإلهام فمثل القلب كمثل الحوض الذي يجرى فيه انهار خمسة فلا يخلو ماؤه عن كدرة ما دام يحصل ماؤه من الأنهار الخمسة بخلاف ما إذا خرج ماؤه من